أحمد الشرباصي
126
موسوعة اخلاق القرآن
وقد يعاون على هذا الفهم أن القرآن يقول في سورة الأعراف : « إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » . وقد علق الإمام ابن القيم على هذه الآية في « بدائع الفوائد » بقوله : « وقوله : « إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » له دلالة بمنطوقه ، ودلالة بإيمائه وتعليله ، ودلالة بمفهومه ، فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الاحسان ، ودلالته بتعليله وإيمائه على أن هذا القرب مستحق بالاحسان ، فهو السبب في قرب الرحمة منهم ، ودلالته بمفهومه على بعد الرحمة من غير المحسنين . فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة . وإنما اختص أهل الاحسان بقرب الرحمة منهم لأنها إحسان من اللّه أرحم الراحمين ، وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الاحسان ، لأن الجزاء من جنس العمل ، فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته . وأما من لم يكن من أهل الاحسان ، فإنه لما بعد عن الاحسان بعدت عنه الرحمة ، بعدا ببعد ، وقربا بقرب ، فمن تقرب بالاحسان تقرب اللّه اليه برحمته ، ومن تباعد عن الاحسان تباعد اللّه عنه برحمته ، واللّه سبحانه يحب المحسنين ، ويبغض من ليس من المحسنين ، ومن أحبه اللّه فرحمته أقرب شيء منه ، ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه ، والاحسان ها هنا هو فعل المأمور به سواء كان إحسانا إلى الناس أو إلى نفسه » . * * والرسول عليه الصلاة والسّلام هو المثل الأعلى والقدوة الحسنة لأهل القرآن ، وقد وصفه التنزيل المجيد في أكثر من آية بفضيلة الرحمة ، فقال في سورة آل عمران : « فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ » . وقال في سورة التوبة : « لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ » . وقال في